أبو القاسم يكتب: ضرورة اختبار مقومات التنظيم الحزبي دوريا للتأكد من قدرته على بلوغ الأهداف وتحقيق الإنجازات

بقلم: سامر أبو القاسم

يعتبر الشأن الحزبي من بين أهم الموضوعات التي يتم التداول فيها على أوسع نطاق، على اعتبار أنه يشكل آلية من آليات البحث عن سبل معالجة بعض القضايا المطروحة وذات الأولوية داخل المجتمع.

والشأن الحزبي يعرف اليوم إشكالات تثيرها وضعية الأحزاب سياسيا وتنظيميا وتمثيليا. لذلك، ينبغي الانكباب على دراسته، نظرا لما يكتسيه من أهمية خاصة في إطار العلاقة بتقييم وتقويم السياسيات العمومية، والتحديد الدقيق للقضايا التي يراد التدخل فيها أو تدبيرها.

و من هذا المنطلق، يمكن التأكيد على أنه لم يكن الطموح عند تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة محصورا في مدى القدرة على تأسيس حزب أو عقد مؤتمر، ولا حتى في اختيار من سيتولى قيادته السياسية والتنظيمية. بقدر ما كانت تتمثل منطلقات هذا الطموح وخلفياته في إثبات القدرة على فرز فاعل سياسي قادر على المشاركة في التأثير على المواطنات والمواطنين من جهة، وفي التأثير على مراكز صنع القرار السياسي بما يخدم المصلحة المجتمعية العامة.

بمعنى آخر، فإن خلفية التأسيس لم تكن خارجة عن نطاق المساهمة في التأثير على الطريقة التي تحكم المجتمع المغربي، من خلال فهم آليات اشتغال السلطة السياسية وميكانيزمات مختلف الديناميات التي يعرفها مجتمعنا عبر تحرك الجماعات داخله.

وقد نجزم القول بأن آخر ما كان يتم التفكير فيه آنذاك – باستثناء بعض الحالات المرضية – هو البحث عن سبل الاقتتال من أجل التموقع والتألق، أو التفنن في التشهير برفاق الدرب وتشويه سمعتهم بغرض إقصائهم وتهميشهم وإبعادهم عن مجالات التنظيم والتأطير والتوجيه والمشاركة في بلورة المواقف وصنع القرار داخل الأجهزة الحزبية.

بل إن كل ما كان يتم الاشتغال عليه هو تمكين أكبر عدد من المواطنات والمواطنين من الاهتمام بشؤون المجتمع من خلال المشاركة السياسية الفاعلة، وعبر إبداع طرق تعامل جديدة مع قضايا الدولة والمجتمع، قد تشكل آليات وميكانيزمات تستخدم في حل المشاكل السياسية بالطرق السوية والسليمة، بغية تقديم خدمة للمجتمع.

لذلك، انصب العمل في المراحل الأولى من التأسيس على إرساء قواعد الثقافة الديمقراطية ومبادئ ثقافة المواطنة كأساس لبناء الدولة والمؤسسات العصرية، وترسيخ قيم التخليق والمشاركة والتأطير والتنظيم في انسجام مع المقتضيات القانونية، والتعبير عن الإرادة السياسية للحزب في اقتراح حلول للمشاكل المجتمعية، ودعم المبادرات السياسية للحزب في تأطير وتنظيم وتمثيل المواطنات والمواطنين، وتقعيد الفهم والإدراك لأسس العدالة الاجتماعية والمجالية ونظام النزاهة في قلب السياسات العمومية، والمساهمة في تقوية وتعزيز مصداقية المؤسسات والفاعلين.

لكن، وبعد مرور إحدى عشرة سنة من التأسيس، لا يمكن للمرء إلا أن يقف على سؤال التقييم لما له علاقة بمدى القدرة على ترجمة هذه المنطلقات على أرض الواقع. سواء على مستوى البناء التنظيمي الداخلي للحزب، أو على مستوى الأداء السياسي؛ سواء في شق التفاعل مع باقي مكونات المشهد السياسي أو في شق التعاطي مع السياسات العمومية والمشاريع والبرامج التنموية ذات الصلة بالجماعات الترابية.

ودون الغوص في ثنايا النواقص والثغرات والأخطاء التي اعترضت تجربة حزب الأصالة والمعاصرة، لأنها ستكون موضوع اشتغال آخر في هذا الباب، يمكن القول بأن تطوير فاعلية الحزب للتعامل مع الضغوط الخارجية والداخلية التي تعرض لها في السابق، والتي لا زال يتعرض لها في الوقت الحالي، لا يمكن أن يقابلها سوى تحكمه في الأسس والقواعد التي يقوم عليها النشاط السياسي والتنظيمي، وفي الموارد المادية، وفي التنظيم الداخلي للنشاط، وفي أساليب العمل وطرق الأداء. فتقوية هذه العوامل كان سيؤدي إلى تعزيز كفاءة النشاط التنظيمي والسياسي، بدل انكفائه وتراجعه.

وكذلك الأمر بالنسبة لضبط الأطر والقيادات، بما يقتضيه من القدرة على العمل، فقد كان بالإمكان تنميتها من خلال الوعي بمنطلقات الحزب وأهدافه، والتكوين والتأطير وتبادل الخبرات. وبما كان يتطلبه من الرغبة في العمل، وقد كان بالإمكان تنميتها من خلال الإقناع بجدوى الاشتغال لصالح الوطن والمواطن والترقي الحزبي والاضطلاع بمهام ومسؤوليات حزبية وجماهيرية والمحاسبة الحزبية.

إن دمج هذه الإمكانيات والإمكانات كان بإمكانه تشكيل الهيكل التنظيمي القادر على حمل أهداف الحزب وطموح أطره، والوصول بها إلى التحقيق على أرض الواقع. وكان يُفترض في تجربة حزب الأصالة والمعاصرة أن تكون قيادته التنظيمية في مستوى تحقيق أهداف الحزب التكتيكية والمرحلية، وفي مستوى السعي إلى الإنجاز باستثمار الممكن والمتاح لتحقيق المكاسب في الظرفية السياسية الراهنة، لتتمكن من تحقيق مسعى الوصول إلى السلطة بسلاسة.

وعليه، فقيادة الحزب مستقبلا، يجب أن تكون متحكمة في الموارد، لتكون لديها القدرة على الإنجاز والإنتاج، لتحقيق المكاسب الحزبية المستهدفة في المحطات السياسية المقبلة، ولتتحول المقومات الفكرية والتاريخية والمادية والبشرية والمعلوماتية والتقنية للحزب إلى أدوات في يد قيادة الحزب، تستثمرها لتحقيق الإنجاز المقصود.

وهذه القيادة الحزبية، يجب أن تكون منتخبة من طرف من يملكون حق انتخابها في الأصل. وذلك يفرض وجود حالة من التآلف بين أعضائها فكريا وثقافيا وخبرةً، حيث يؤدي ذلك التآلف إلى مرونة حركية وتوافق نفسي للإدارة، وهو ما يطرح العديد من التساؤلات على طبيعة وشكل التوافق الذي حصل في المؤتمرات الوطنية السابقة على القيادات المتعاقبة، التي برزت العديد من المؤشرات على غياب التآلف والتوافق بين أعضائها، وهو ما لم ييسر المرونة اللازمة لحركيتها.

وعلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة مستقبلا، القيام باختبار مقومات تنظيمها الحزبي وقدراته بصفة دورية، للتأكد من قدرة الشكل التنظيمي على بلوغ الأهداف وتحقيق الإنجازات، بل والتخلص من كل العوائق والعقبات لتخفيف الأعباء، وعليها إصلاح ما يمكن إصلاحه، وتقويم ما يمكن تقويمه، كما عليها أن تدرك أنها تخضع للمحاسبة إن هي قصرت في تحقيق المكاسب.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.